السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي المكي

12

تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية

صولتهم ، ويسعفهم على مقاومته ، ويعينهم على مصادمته ، فلم يزل يقلّل نوالهم ، ويفلّ أقوالهم ، ويحطّ أقدارهم ، ويحقّر كبارهم ، ظنّا منه بأن سيرموا بالقلّة ، وتستولي عليهم الذلّة . وأخبرني بعض من أعتمد عليه ، واستند في نقل الأخبار إليه ، أنّه خطر يوما من الأيّام بباله ، إضافة إلى ما صنعه من سيّئ أفعاله ، أن تردّد أرباب المناصب وغيرهم من الرعايا عليهم ، ممّا يجلب بعض النفع إليهم . فاتّفق أن كان يوما عند وزيره ، لضبط أحواله وأموره ، وحضر بذلك النادي جميع خدّامه الكرام ، ومن يعتمد عليه من العلماء الأعلام ، في الحلّ والإبرام ، وأفراد من أهل الثروة الدنيويّة ، المعروفين لدى حضرته العليّة . فالتفت إليهم ، وهو مظهر لشديد التعب عليهم ، وقال : إنّ من تردّد من وزرائنا وحكّامنا وعلمائنا وخدّامنا وجميع رعايانا إلّا من لا يعتمد عليه ، ويرجع في بعض الأمور إليه على الأشراف ، فلا يلومنّ إلّا نفسه ، إن حصل له من طرفنا خلاف . كلّ ذلك كان في أواخر دولته ، التي انتقل فيها إلى فسيح جنّته ، إلّا أنّه كان ذا حظّ وافر ، وسعد لم يزل به على أعدائه ظافر ، وبلهنية « 1 » من الأموال ، وكثرة من الخدم والرجال ، فساعده القضاء على مراده ، وبلّغه من الإقبال ما تسنّم به قحم أضداده ، مع شجاعة وإقدام ، نال بهما أسنى مرام . وإذ قد ذكرنا جملا من صفاته الفاخرة ، وتلونا عليك من أنبائه آيات باهرة ، فسنذكر لك مفرقات ولاياته على الترتيب الواقع ، فلكلّ شيء محال ومواقع :

--> ( 1 ) يقال : هو في بلهنية من العيش : أي : سعة ورفاهية - الصحاح .